يحيي بن حمزة العلوي اليمني

166

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الضرب الثاني ما تكون الأداة فيه ظاهرة اعلم أن ما هذا حاله فمضطرب البلاغة فيه واسع ، وميدانها لديه فسيح ، ومما أغرق في الإعجاب والبداعة وأدهش الألباب من أهل هذه الصناعة قوله تعالى : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [ الحج : 31 ] وقوله تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [ الأنعام : 122 ] وقوله تعالى مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ [ آل عمران : 117 ] فهذا وأمثاله من التشبيهات المركبة الفائقة التي أغرقت في الفصاحة ، ورسخت أصولها في البلاغة . ومن هذا قول أمير المؤمنين في وصف الفتن « أقبلت الفتن كالليل المظلم ، والبحر الملتطم ، لا تقوم لها قائمة ولا ترد لها راية » فشبهها بالليل لما يكون فيها من ظلم الجهل ، وشبهها بالبحر لما فيها من شدة اضطراب الآراء واختلاف الأهواء . وقوله في تحريض أصحابه على القتال « ولقد شفى وحاوح صدري أن رأيتكم بآخرة تحوزونهم كما حازوكم وتزايلونهم عن مواقعهم كما أزالوكم حشّا بالنبال ، وشجرا بالرماح ، تركب أولاهم أخراهم ، كالإبل المطرودة ، ترمى عن حياضها ، وتذاد عن مواردها » وكم له من التشبيهات التي فاق فيها على البلغاء ، ولم يزاحمه أحد من مصاقع الخطباء . ومن جيد التشبيه ما قاله البحتري : خلق منهم تردد فيهم * وليته عصابة عن عصابة كالحسام الجراز يبقى على الده * ر ويفنى في كل حين قرابه ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء : تراهم ينظرون إلى المعالي * كما نظرت إلى الشيب الملاح يحدون العيون إلى شزرا * كأني في عيونهم السماح وكقول أبى تمام يهجو إنسانا : كم نعمة لله كانت عنده * فكأنها في غربة وإسار كسيت سبائب لؤمه فتضاءلت * كتضاؤل الحسناء في الأطمار فهذا ما أردنا ذكره في تقسيم التشبيه وبيان ضروبه وأنواعه .